السجنجل
مدونة تعبر بكل شفافية عن نبض الشارع السعودي والعربي والدولي

الغريبة

 

 

بقلم : ثائر من الصحراء

 

ليس غريب إن ترى مسافراً عربي وقد حمل بيده حقيبة أمتعته الخاصة، وهو يجوب طرقات المدينة كمن أصيب بحالة دوار مفاجئ ولكن ما شكل لدي مفاجئه لطيفة  جعلني أعيش داخل دوامة مماثلة لتلك التي تلفح مخيلة ذلك الإنسان الغريب الذي يصتدم بثقافة غريبة عليه، هي رؤيتي لإحدى الفتيات السعوديات وأنا احتسي ذلك الكوب من القهوة التي اعتدت أن احتسيها كل حادية عشر صباحاً في سوق (RED SEA) بجدة كل صباح، لقد كانت تسير مع فتاة أخرى ويظهر على ملامح وجهها نوع عظيم من الذهول لا يصاب به إلا من بهرته أضواء المدينة خاصة وأن كانت تلك المدنية كمدينة جدة،فالمحلات التجارية بها تعد بالنسبة لسكان باقية مدن المملكة من أفضل المحلات التي قد يرونها على الإطلاق، فهي على مدار اليوم تعج بالألف من المتسوقين من الجنسين، حالة تذكرك بمشاهد الازدحامات في مواسم الأعياد، وليست المحلات التجارية فقط هي ما تلفت انتباه من يزور جدة لأول مرة، بل أنني لا أبالغ إن قلت أنه حتى العادات الاجتماعية بها تعتبر من الأشياء الصادمة، فالنساء في معظمهن يتجولن وهن كاشفات الوجوه، وهذا الأمر يعتبر لدى سكان المناطق الأخرى نوع من أنواع الترف الاجتماعي، هذا خلاف الانفتاحات الأخرى، بل إن العديد من أهل المناطق الأخرى يعتبرون بأن مدينة جدة إضافة إلى المدينتين المقدستين واحده من الأسباب التي إصابة الجسد الوطني السعودي بالكثير من التغيرات الديموغرافية التي أصبحنا اليوم نجني عواقبها السيئة، حيث أصبحنا للأسف نفتقد إلى تلك السجايا الجميلة التي كنا ننعم بها في أوقات ما قبل اختلاط الحابل بالنابل كما يقال في المثال، فمن يصّدق اليوم يعتبره المجتمع ساذجاً فنحن نعيش تخبط على المستوى الأخلاقي والقيمي فأول نصائح الأب لأبنائه في العصر الحالي ليست كلمة خافوا الله يا أبنائي فان الله مطلع على حالكم ومالكم ومن بيده توفيقكم وعليه اتكالكم، بل يقول لهم تلك المقولة البائسة يا أبنائي (إن لم تكونوا ذئاب أكلتكم الذئاب) وكأننا نعيش تحت حكم شرائع الغاب وللأسف أن أقول هذا، لقد كان الناس قبل أن يختلطوا بهم أولئك الجياع من شرار الناس خريجي السجون والمصحات النفسية أولئك الذين قذفتهم لنا إدعاءات أداء المناسك ومنذ تلك المناسك وهم (مبلطون على قلوبنا في هذا البلد) فلقد حققوا المثل الذي يقول (حج وبيع مسابح) فهم بالنسبة لهم حج وتملق للحصول على الجنسية، لقد افسدوا علينا أخلاقنا وأصبحنا اليوم إن لم نتبع شرائعهم ونحذوا حذوهم نعتبر رجعيين ومحل لسخرية، فما إن يلوح لهم وجه شامخ أكلت منه الصحراء وشربت حتى يقولون يا الله انظروا إلى هذا البدوي وكأن البداوة أصبحت من السقطات الخطيئة التي يمكن إن ينزلق بها الإنسان، متناسين وللأسف إن أهل هذا البلد الأصليين وليس الدخلاء المتخلفون عن اللحاق بالبواخر هم أولئك البدو، إن كلمة بدوي تطلق صفة لمن يسكن البادية ويرعى الأنعام إلى غير ذلك، وهي غير مسبة بحال من الأحوال بل انه يكفي سكان البادية فخرا انه (ما من رسول إلا وقد راعى الغنم)، أما أولئك النزق من شرار الخلائق دعاة المجون والفساد فأنه ينطبق عليهم ذلك البيت من الشعر الذي يقول (فغض الطرف أنك من نمير*** فلا كعباً بلغت ولا كلابا)، فلقد رئينا وطنيتهم وهي تتجلى في أرذل صورها  قبل ما يقرب على العشرين عام عندما احتل العراق للكويت لقد هربوا كالجرذان كل إلى البلد الذي جاء منها وتركوا أهل هذه البلاد يواجهوا مصيرهم المجهول، إلا إن هذا الصنيع منهم لم يؤخذ بالحسبان من قبل الحكومة فعندما اندحر العدوان عادوا إلى مناصبهم وكأن شيء لم يكن وعفا الله عما سلف، وعودا على تلك الفاتنة لقد كانت من أجمل المصادفات لي في ذلك اليوم، فكم كان شعورا رائعاً أن أرى فتاة وهي تخطوا أولى  خطوات أعتاب الغربة عن الأهل وهي تعتمد على نفسها، وكم ذكرني مشهد تلك الفتاة التي ترافقها بمشهد لقائك الأول في شخص يعيش في بلد غريبة عنك وقد خبرها عن أخرها وأنت تطأ تراب تلك البلد لأول مرة، فهو في تلك الحالة يعتبر انه يمشي إلى جوار أغباء أهل الأرض، وأنت تشعر انك تسير إلى جوار اكبر دليل في العالم، فهو يصرخ عليك لم فعلت هذا ولما لا تفعل تلك وأنت حينئذ لا تجد ما ترد عليه لأنك تشعر عندها بالخوف من ذلك المجهول وغربة المكان، فلذلك تسكت ولو كان سكوتك عن زمجرته عليك على مضض، ففي تلك اللحظة أنت تعيش في حدك الأدنى من الإذعان، أما  إذا أوقعك حظك العاثر تحت رحمة إنسان معتوه وحب أن يتشاطر عليك ويحسسك انك بدون وجوده إلى جوارك في ذلك المعترك الجديد عليك لا تساوي قشرة بصلة بل انك تغرق في شبراً من الماء، فما عليك إلا أن تسمع وتطيع، لقد كانت تلك الفتاة تحدق في وجوه الجميع كغزالة نافرة، تنظر هنا وتنظر هناك، فياليت شعري لو قدر لي أن اعرف ما كان يعترك في مخيلتها في تلك اللحظة، لقد ذكرتني بحالة الضياع الذي أعيشها منذ أن فقدت بوصلة حياتي، لقد تداخلت علي ألوان الحياة كما تداخلت في مخيلتها سلوكيات أهل جدة في تلك اللحظة، فكلانا في ضياع إلا إن الفرق فيما بين ضياعي وضياعها أن ضياعها محدود وضياعي بلا حدود، ولكن يبقى في نهاية المطاف بارقة أمل فعودة حياتي لتعيد ما تحطم وتنقذ ما تبقى شيء كشعرة معاوية يبقى حريص على بقاءها.

 

(10) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 09 اكتوبر, 2009 12:22 م , من قبل lesabahbk

اخى الغالى

طرح رائع ياصديقى

بارك الله فيك

اخوك احمد ناجى
ادعوك لجديدى


اضيف في 09 اكتوبر, 2009 01:03 م , من قبل ardalan11
من العراق

إن لم تكونوا ذئاب أكلتكم الذئاب

اخى الفاضل ثائر

مشكوورر على هذا طرح الراقى

يعطيك الف الف عافية

مقولة جاهلية تظل تبقى معنا فى الزمن

العولمة ، يتربى اجيال قادمة على هذا تفكير

البائس و المريض و الرجعى ...

ما هذا الضياع القييم الذى نعيش فيه

صدقت اخى راينا حالة الذى ذكرته اثناء

الغزو العراق للكويت و كيف انهزموا مزعورين

لكن مع اسف رجعوا كانهم شيئا لم يحدث

لك اجمل السلام

تقبل منى كل تقديرى

اردلان


اضيف في 09 اكتوبر, 2009 02:08 م , من قبل mnal80
من فلسطين

اسلوب راقي مجهود غاية في القيمة

اشكرك دمت بالف خير


اضيف في 09 اكتوبر, 2009 03:54 م , من قبل emaa91

السلام عليكم
اخى الغالى جدا جدا
ثأئــــــــــر من الصحراء
موضوعك مهم واسلوبك شيق
اتمنى ليك التالق دائما
وارق تحياتى
ايمان


اضيف في 09 اكتوبر, 2009 04:53 م , من قبل turkii122
من المملكة العربية السعودية

القادم اعظم
ونسال الله السلام
مجتمع نجومه شعراء كذابين فنانين متزندقين
وفنانات عاريات .
مالذي ترجوه منه

تركي الساير


اضيف في 09 اكتوبر, 2009 08:26 م , من قبل aisha30
من مصر

موضوع كويس
بس شكلك متأثر مش ثائر
جميل احساسك بالغير
تقبل مرورى


اضيف في 10 اكتوبر, 2009 12:18 م , من قبل loolwah

ثائر الصحراء ...
جده غير ، والمدينه كلها خير . ومكه مباركه عندكم مدن بالسعوديه تجعل قلوب تهوي إليها
خواطر راقيه نثرتها بإسلوب قصصي شيق
تحياتي لولوه


اضيف في 10 اكتوبر, 2009 10:58 م , من قبل nezha87
من المغرب

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
اخي ثائر الصحراء مقالك في منتهى الروعة ولا ابالغ . بجد ممتاز . اتمنى لك التوفيق من كل قلبي .


اضيف في 12 اكتوبر, 2009 06:38 م , من قبل nalata

موضوع في غاية الأهمية ويلامس الواقع ..
يعطيك العافية على المدونة الرائعة


اضيف في 12 اكتوبر, 2009 07:18 م , من قبل soso8989
من الأردن


أخي الكريم

أولا أشكرك على الدعوة الراقية...

لقد انبهرت بأضواء لامعة مذهلة وساحرة لكنها تخبئ خلفها ما يعانيه أهل المدينة من ضغوطات حياة وتيه وفساد يستشري بأوصال المعظم...
جميل كان انبهارها كطفل يخطو أول خطوة ليدخل الحياة...

وجميل مقالك فقد لفت انتباهنا الى جمال لم نعد نراه لأننا نعلم حقيقة تختبئ في ثناياه..

شـــمـــس




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية